المقريزي

382

إمتاع الأسماع

قوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه ، أو من كلمات الاستهزاء والذم فاعترافه بها ، وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك وهو كفر أيضا ، فهذا كافر بلا خلاف ، قال تعالى في مثله : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) ( 1 ) قال أهل التفسير : هي قوله : إن كان ما يقول محمد حق لنحن شر من الحمير . وقيل بل قول بعضهم : ما مثلنا أو مثل محمد إلا قول قائل : سمن كلبك يأكلك ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) ( 2 ) وقد قيل : إن قائل مثل هذا إن كان مستترا به فإن حكمه حكم الزنديق يقتل ، ولأنه غير دينه ، وقال صلى الله عليه وسلم من غير دينه فاضربوا عنقه ، ولأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الحرمة مزية على أمته ، وساب الحر من أمته بحد ، فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه وسلم القتل ، لعظيم قدره ، وشفوف منزلته على غيره . فإن قلت : فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذي قال له : السام عليكم ؟ وهذا دعاء عليه ، ولا قتل الآخر الذي الذي قال له : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ؟ وقال : قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ، ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان ؟ فاعلم وفقنا الله وإياك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول الإسلام يستألف عليه الناس ، ويستميل قلوبهم إليه ويحبب إليهم الإيمان ، ويزينه في قلوبهم ، ويداريهم ويقول لأصحابه : إنما بعثتم مبشرين ولم تبعثوا منفرين ، ويقول : يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا ويقول : لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه . وكان صلى الله عليه وسلم يداري الكفار والمنافقين ، ويجمل صحبتهم ، ويفضي عنهم ويحتمل من أذاهم ، ويصبر على جفائهم ، ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم عليه وكان يرفقهم بالعطاء والاحسان ، وبذلك أمره الله تعالى ، فقال : ( ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ) ( 3 ) قال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه

--> ( 1 ) التوبة : 74 ( 2 ) المنافقون : 8 ( 3 ) المائدة : 13